تقرير- خاص
في الوقت الذي يعيش فيه أبناء حضرموت واحدة من أسوأ الأزمات المعيشية والخدمية في تاريخ المحافظة، تتصاعد حالة الغضب الشعبي مع تزايد المؤشرات حول وجود ترتيبات سياسية واقتصادية تُدار بعيدًا عن الشارع الجنوبي، عنوانها الأبرز إعادة توظيف ثروة حضرموت النفطية ضمن مسارات تفاهمات إقليمية مع جماعة الحوثي.
حضرموت، المحافظة التي تمتلك أكبر المخزون النفطي في الجنوب، تبدو اليوم وكأنها تدفع ثمنًا سياسيًا باهظًا لصراعات النفوذ والتسويات الإقليمية، بينما يغرق أبناؤها في انقطاع الكهرباء، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وغياب أبسط الخدمات الأساسية.
وبحسب مراقبين، فإن ما يجري لم يعد مجرد نقاش اقتصادي أو ترتيبات مؤقتة مرتبطة بالحرب، بل تحول إلى مسار سياسي متكامل يعيد رسم خارطة النفوذ في اليمن على حساب المحافظات المنتجة للثروة، وفي مقدمتها حضرموت، التي أصبحت محورًا أساسيًا في أي تفاهمات مرتبطة بملف التهدئة مع الحوثيين.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت حالة الجدل بعد تسريبات وحديث متداول عن تخصيص نسب ضخمة من عائدات النفط لصالح ترتيبات مرتبطة بالحوثيين، ضمن تفاهمات يُعتقد أنها تأتي في إطار المساعي السعودية لإنهاء حالة التصعيد وتأمين الحدود عبر تقديم تنازلات اقتصادية وسياسية للجماعة.
ويرى كثير من أبناء حضرموت أن الكارثة لا تكمن فقط في احتمالية تحويل الثروة النفطية إلى الحوثيين، بل في الرسالة السياسية الخطيرة التي تحملها هذه التفاهمات، والتي تعني – بحسب تعبيرهم – أن الجماعة التي خاضت حربًا مدمرة ضد اليمنيين باتت تُكافأ اقتصاديًا، بينما المحافظات التي يفترض أنها ضمن معسكر الشرعية والتحالف تُترك لمواجهة الانهيار والفقر.
وفي الشارع الحضرمي، يتزايد الشعور بأن المحافظة تحولت إلى “خزان مفتوح” لتمويل صفقات السياسة والحرب، دون أي انعكاس حقيقي على حياة المواطنين، حيث لا تزال المدن تعاني من انهيار البنية التحتية، وغياب المشاريع الاستراتيجية، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، رغم المليارات التي ضُخت من قطاع النفط خلال السنوات الماضية.
ويرى محللون أن أخطر ما يحدث اليوم هو استخدام الملف الاقتصادي كأداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي، بحيث تصبح الثروة النفطية وسيلة لشراء التهدئة مع الحوثيين، بدلًا من توجيهها نحو بناء اقتصاد مستقر وتنمية حقيقية في المحافظات المنتجة.
كما يشير مراقبون إلى أن حضرموت أصبحت ساحة صراع ناعم بين مشاريع النفوذ الإقليمية، في ظل محاولات فرض شخصيات وقوى سياسية بعينها لإدارة المرحلة المقبلة بما يضمن تمرير ترتيبات سياسية واقتصادية تخدم مصالح خارجية أكثر مما تخدم أبناء المحافظة أنفسهم.
وفي هذا السياق، تتصاعد الانتقادات تجاه بعض القوى التي رفعت سابقًا شعارات الدفاع عن حقوق حضرموت وثروتها، قبل أن تلتزم الصمت أمام ما يصفه ناشطون بـ”أكبر عملية إعادة توزيع للثروة خارج إرادة أبناء المحافظة”.
ويؤكد ناشطون حضارم أن استمرار هذه السياسات قد يدفع نحو انفجار شعبي واسع، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين حجم الثروة التي تنتجها المحافظة وبين الواقع المعيشي القاسي الذي يعيشه المواطن، حيث لم تنعكس الإيرادات النفطية على مشاريع الكهرباء أو المياه أو فرص العمل أو تحسين مستوى الخدمات.
ويحذر اقتصاديون من أن أي ترتيبات تمنح الحوثيين موارد مالية ضخمة دون وجود حل سياسي شامل ستؤدي عمليًا إلى تعزيز اقتصاد الحرب، وإعادة إنتاج مراكز القوة المسلحة، بدلًا من بناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة الثروة بشكل عادل ومتوازن.
ومع استمرار الغموض حول طبيعة التفاهمات الجارية، يبقى السؤال الأكثر حضورًا في الشارع الجنوبي: لماذا تتحول ثروات حضرموت إلى أوراق تفاوض إقليمية، بينما يُحرم أبناؤها من أبسط حقوقهم في التنمية والخدمات والحياة الكريمة؟
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو حضرموت اليوم أمام معركة مختلفة؛ ليست معركة نفط فقط، بل معركة سيادة وقرار وثروة وهوية سياسية، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول المحافظة إلى مجرد مصدر تمويل لتفاهمات تُصاغ خارج إرادة أبنائها، فيما يظل المواطن الحضرمي آخر من يستفيد من أرضه وثروته

أضف تعليق